15 مايو 2011

فلسطين وشرفها العظيم

palestine-aqsa

(تمهيد)

الحمدلله. لقد ازدحم فضاؤنا السياسي والإعلامي المعاصر بمشاعر متضاربة تجاه أرض فلسطين وأهلها حتى اختلط الأمر على الكثير وأصبح منا من يهتم بفلسطين من جانب قومي ومن يهتم بها من الجانب الإنساني ومنا من لايهتم بأرض فلسطين أصلاً حيث يرى أن فلسطين من شأن الفلسطينيين، ومنا من يرى في فلسطين عبئاً أثقل كاهلناً قد آن أوان خلعه والتخفف منه، بل هناك من يرى في فلسطين عقدة تعوق انتفاعنا بعلاقات مع الغرب فيها منفعة لنا ولغيرنا (على حد فهم هؤلاء). ولا شك أن التخبط الفكري والمزايدات السياسية التي مارسها ساستنا وقادتنا وأقطابنا الجهابذة من مفكرين وفنانين وروائيين وكتاب وملوك الأعمدة الذين كتبوا بصراحة وبهدوء تسبب في التضارب والتناقض الذي أصاب الرأي العام المصري على وجه الخصوص.

والحق أن ما يربطنا بفلسطين ليس رباطاً واحداً ولكنها أواصر عدة -كلها وثيقة- رغم ما اعترى علاقاتنا بالأرض وأهلها من بعض الشوائب المفتعلة في بعض الأحيان. ليس هذا موضوعنا اليوم وإنما ما دفعني لكتابة هذه المشاركة المتواضعة هو التذكرة بما اختصت به أرض فلسطين من تكريم في كتاب الله تعالى حتى ننتبه إلى أن أمر فلسطين لا تعود أهميته إلى العواطف القومية أو حتى المشاعر الإنسانية التي تقتضي نصرة المظلومين من أمتنا، ولكن قضية فلسطين قضية أرض جعلها الله أرضاً مقدسة للأمة المسلمة في كل العصور، والمسلمون لذلك مسئولون –أي سوف يسئلون- عنها.

فلنتعرف معاً على بعض ما حظيت به هذه الأرض من شرف عظيم.

____

( هذه الأرض )

يقسم الله تبارك وتعالى في مطلع سورة التين: ((وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ)). فما أكثر ما مرت علينا هذه الآيات الكريمة في تلاوة أو مررنا عليها، وإن فهم أكثرنا معناها فكم منا تنبه إلى مغزاها، وكم منا مر عليها مرّ الكرام؟

حين يقسم الله بشيء فقد يدل ذلك على تذكرة بالخلق (ونفسٍ وما سوّاها ..) أو على سنن كونية بديعة (والشّمسِ وضُحاها ..) أو يذكرنا بالميعاد وقيام الساعة (لا أقسم بيوم القيامة ..) أو ينبه إلى غير ذلك من آيات الله البديعة أو سننه تعالى العظيمة.

كما يمكن أن يدل القَسَم في القرآن الكريم على شرف المقسوم به وفضله (لا أقسم بهذا البلد * وأنت حلٌ بهذا البلد * ووالد وما ولد).

وإذا اعتبرنا التين والزيتون نوعين من الشجر، نجد أن الله تبارك وتعالى في سورة التين يقسم بثلاثة أشياء، وهم "التين والزيتون" و"طور سنين" و"البلد الأمين". فعلى ماذا يدل القسم بهذه الأشياء وما أهمية كل منها؟ لنبحث عن الإجابة بالبحث عن العامل المشترك الذي يجمع بين هذه الأشياء لعله يرشدنا إلى دلالة القسم بها.

لنبدأ بالأسهل أولاً. فالبلد الأمين هو بالطبع مكة المكرمة وفضلها وشرفها معروف للجميع ومن ذلك أنها أقدس مكان على الأرض وبها المسجد الحرام وإليها يحج الناس.

أما طور سينين، فيتفق أكثر المفسرين على أنه جبل طور سيناء الذي صعد إليه موسى عليه السلام وكلمه الله تعالى وتلقى عليه الألواح. فذلك من فضل هذا الجبل أيضاً وقدسيته.

فماذا عن التين والزيتون؟ لماذا أقسم الله تعالى بهما ولماذا بدأت السورة بهذا القسم؟ قد يقول قائل أن الله يقسم بثمرتين من نعمه تعالى على الإنسان، وهذا وارد، ولكن كيف نجمع بين هذا وبين القسم بمكة المكرمة وجبل طور سيناء؟ ما هو الشيء المشترك بين ما أنعم الله على الناس من ثمار وبين طور سيناء ومكة المكرمة؟ أين التناسق في هذا القسم؟ نحن نجد مثلاً في سورة النازعات تناسقاً بين كل قسم والذي يليه (والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، ..)، وكذلك في سورة الشمس (والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، ..)، أو الفجر (والفجر، وليال عشر، ..). هناك دائماً تناسق بديع إما بالتشابه أو التباين أو التسلسل أو هذا وذاك معاً، فهناك خيط يجمع العناصر المقسوم بها، إما تسلسل أفعال كما في سورتي النازعات أو العاديات، أو تسلسل حالات كتعاقب الشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من مواطن التناسق التي لا يمكن أن نحصيها، فذلك من عجائب القرآن وبلاغته وإعجازه. وقد نجد التناسق بين "طور سنين" و"البلد الأمين" واضحاً حيث أن القسم هنا ببقعتين مطهرتين مقدستين وإن اختلفتا في بعض من أسباب التقديس واشتركتا في بعض منه، واختلفتا أيضاً في درجة الشرف والتقديس.

سنصل إلى الإجابة إذا علمنا أن شجرتي التين والزيتون هي من أشجار الأرض المقدسة التي حظاها الله بوجود المسجد الأقصى ("الذي باركنا حوله": الإسراء)، أي أرض فلسطين. بل إن التين والزيتون من علامات هذه الأرض المطهرة ورموزها. ولو أن هناك بعض التفاسير الأخرى للتين والزيتون في هذه الآية ولكن أكثرها يظل مرتبطاً بأرض فلسطين أو أرض الشام بصفة أعمّ، حيث يقول البعض أن "التين" يرمز إلى دمشق أو جبل أو مسجد بها. ولكن المفسرون يرجحون تفسير التين والزيتون على أنهما الشجرتان المعروفتان، كما يتفقون في الغالب على أنهما تدلان على الأرض المقدسة التي نسميها اليوم أرض فلسطين.

إذن فحسب التفاسير الراجحة فإن الله عز وجل يقسم بالأرض المقدسة وبجبل الطور ومكة المكرمة. وهكذا نرى نسقاً متآلفاً متصلاً. ثلاث من بقاع الأرض تتميز كلها بقدسية وهبها الله لها، أرض بأكملها مقدسة وهي أرض فلسطين التي نعرفها (والتين والزيتون)، وجبل مقدس هو طور سيناء (وطور سينين)، وبلد مقدس وهي مكة المكرمة (وهذا البلد الأمين). وكما يذكر ابن كثير في تفسيره، فإن التسلسل في القسم يتبع التسلسل الزمني، ففلسطين هي أرض مقدسة منذ عهد إبراهيم عليه السلام، أما طور سيناء فقد شهد لحظات من أقدس لحظات هذا الكون حين ارتقاه نبي الله موسى حفيد إبراهيم من ذرية إسحاق –عليهم جميعاً أفضل السلام- وكلمه الله، ثم كان مسك الختام بمكة المكرمة التي شرفها الله تعالى بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، حفيد إبراهيم من ذرية إسماعيل عليهما السلام. فهذا إذن تسلسل زمني من الأقدم إلى الأحدث ولكنه أيضاً تزايد في شرف المكان من بقعة شريفة إلى بقعة أشرف.

فما أجمل هذه الآيات وما أبلغ هذا القسم (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ). حتى وأنا أكتب هذه السطور أشعر بشرف هذه الأماكن الثلاثة وضياءها بين السطور.

ولكن القاسم المشترك بين أرض فلسطين وطور سيناء ومكة المكرمة لا يقتصر على قدسية الأماكن، ولو كان كذلك لكان شرفاً كافياً. فماذا تجد أيضاً مما يجمع هذه الأماكن الثلاثة إذا راجعت السطور السابقة؟

الحق أن المرء كلما تأمل الآيات وتدبر ما يعرفه عن هذه البقاع الثلاث كلما وجد مزيداً من الشرف والفضل، ووجد أن كل شرف على حدة بالغ في عظمته، فما بال اجتماع ذلك كله؟ وفي إيجاز فإن هذه البقاع الثلاث كانت مواطئ الأنبياء، فأي فضل عظيم هذا؟ كانت مكة المكرمة موطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها انطلقت دعوته فحظت بأعلى مراتب الشرف والقدسية. أما أرض فلسطين فكانت موطناً لأفواج وأجيال من الأنبياء، ذرية بعضها من بعض، حتى قيل أنه لا يوجد موطئ قدم على هذه الأرض المقدسة إلا ومر عليها نبي من أنبياء الله تعالى. ويا لها من حقيقة مبهرة لمن تأملها. تأمل يا أخي أنك إذا سرت في أي طريق بأرض فلسطين فإنك تسير على أثر نبي أو أكثر.. ألا تكون هذه الأرض المباركة محببة إلى قلبك وقد كرمها الله عز وجل هذا الكرم؟

ثم تأمل يا أخي، ألم يكن الوحي ينزل من السماء على الأنبياء؟ فهذه الأماكن الثلاثة تشترك إذن في أمر آخر جليل. فأرض فلسطين ومكة المكرمة كانتا مهبطين للوحي وكان طور سيناء موطن اتصال بين والسماء والأرض من نوع آخر. لقد كرم الله تعالى مكة والمدينة بوحي القرآن والرسالة الخاتمة فنالتا الشرف الأكبر. وكرم الله أرض فلسطين بكثرة تنزل الوحي وطول مدته، فكان ينزل وحي السماء على هؤلاء الأفواج من الأنبياء الذين عمروا أرض فلسطين مئات السنين جيلاً بعد جيل في أنحاء الأرض المقدسة. والله لو تأملنا حقيقة هذا الأمر لانبهرنا من جلاله. الوحي يصل السماء بالأرض بأمر الله تعالى لمئات السنين على أنبياء كثيرين جيلاً بعد جيل. أي شرف وأي فضل وأي قدسية لهذا المكان الذي عمروه.

____

( خاتمة)

إن أمة الأنبياء هي أمتنا، قال الله تعالى: ((إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)) (الأنبياء: 92). وهذه الأرض هي أرض الأنبياء .. أرض فلسطين.. وهي إذن أرضنا.

أسأل الله أن نكون تعرفنا بهذه الكلمات على فلسطين كما كان يجب أن نعرفها من قبل .. الأرض المقدسة .. أرض الأنبياء .. أرض التين والزيتون .. فلسطين الحبيبة.

 

olives

هناك تعليقان (2):